فخر الدين الرازي

128

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اليه بلا منازعة ، وسلم اليه أي رضي بحكمه ، وسلم إلى فلان في كذا ، أي ترك منازعته فيه ، وسلم إلى اللَّه أمره أي فوض اليه حكم نفسه ، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ولا شركة ، وعلم أن المؤثر الصانع هو اللَّه تعالى وحده لا شريك له . المسألة الرابعة : اعلم أن قوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ قسم من اللَّه تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط : أولها : قوله تعالى : حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا . واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل إلى معرفة اللَّه تعالى إلا بإرشاد النبي المعصوم قال : لأن قوله : لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه ، ونرى أهل العلم مختلفين في صفات اللَّه سبحانه وتعالى ، فمن معطل ومن مشبه ، ومن قدري ومن جبري ، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وإرشاده وهدايته ، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بإدراك هذه الحقائق ؟ وعقل النبي المعصوم كامل مشرق ، فإذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال ، ومن الضعف إلى القوة ، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الإلهية . والذي يؤكد ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان والمعرفة ، والذين بعدوا عنه اضطربوا واختلفوا ، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة والتابعين ، فثبت ان الأمر كما ذكرنا ، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، فيقال له : فهذا الاستقلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك ، فإذا كان عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذا الاستدلال لنقصان عقلك ، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به ، ولأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله ، فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور ، وهو محال . الشرط الثاني : قوله : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ قال الزجاج : لا تضيق صدورهم من أقضيتك . واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية انه لا بد من حصول الرضا به في القلب ، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر ، فليس المراد من الآية ذلك ، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق . الشرط الثالث : قوله تعالى : وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول ، فبين تعالى أنه كما لا بد في الايمان من حصول ذلك اليقين في القلب . فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر ، فقوله : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ المراد به الانقياد في الباطن ، وقوله : وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً المراد منه الانقياد في الظاهر واللَّه أعلم . المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام ،